محمد جعفر استر آبادى ( شريعتمدار )

190

البراهين القاطعة في شرح تجريد العقائد الساطعة

لا يصحّ إلّا في الأوّل . وأمّا ما يقال - أنّا إذا عقلنا شيئا فإنّا نصير ذلك المعقول - فهو محال ؛ فإنّه يلزم أن نكون إذا عقلنا البارئ نتّحد معه ونكون هو ، فهذا الحكم لا يصحّ إلّا في الأوّل ؛ فإنّه يعقل ذاته ، وذاته مبدأ المعقولات ، فهو يعقل الأشياء من ذاته ، فكلّ شيء حاصل له حاضر عنده معقول له بالفعل « 1 » . وقال في المبدأ والمعاد : وليس كون الكلّ عنه على سبيل الطبع بأن يكون وجود الكلّ عنه لا لمعرفة ولا رضى منه ، وكيف يصحّ هذا وهو عقل محض يعقل ذاته ؟ فيجب أن يعقل أنّه يلزمه وجود الكلّ عنه ؛ لأنّه لا يعقل ذاته إلّا عقلا محضا ومبدأ أوّلا . وتعقّل وجود الكلّ عنه على أنّه مبدؤه هو ذاته لا غير ذاته ؛ فإنّ العقل والعاقل والمعقول فيه واحد ، وذاته راضية لا محالة بما عليه ذاته ، ولكن تعقّله الأوّل وبالذات أنّه يعقل ذاته التي هي لذاتها مبدأ لنظام الخير في الوجود ، فهو عاقل لنظام الخير في الوجود كيف ينبغي أن يكون ، لا عقلا خارجا عن القوّة إلى الفعل ، ولا عقلا منتقلا من معقول إلى معقول ؛ فإنّ ذاته بريئة عمّا بالقوّة من كلّ وجه على ما أوضحنا قبل ، بل عقلا واحدا معا ، ويلزم ما يعقله من نظام الخير في الوجود أنّه كيف يمكنه ، وكيف يكون وجود الكلّ على مقتضى معقولة ؛ فإنّ الحقيقة المعقولة عنده هي بعينها - على ما علمت - علم وقدرة وإرادة . وأمّا نحن ، فنحتاج في تنفيذ ما نتصوّره إلى قصد وإلى حركة وإلى إرادة ، وهذا لا يحسن فيه ، ولا يصحّ ؛ لبراءته عن الاثنينيّة « 2 » . انتهى . فالشيخ مع تفطّنه لذلك ذهب إلى القول بالعلم الصوري ؛ تحقيقا لأمر العناية وتحصيلا للعلم الذي هو سبب النظام ومقدّم عليه ؛ فإنّ العلم بالنظام وأمر العناية إنّما يتمّ بالعلم التفصيليّ ولا يكفي الإجماليّ فقط ، وأيضا فرارا من الشناعة الواردة على

--> ( 1 ) . نفس المصدر . ( 2 ) . « المبدأ والمعاد » لابن سينا : 75 - 76 .